يا فرحة ما تمت بقلم علي الشافعي
قالوا ــ والعهدة على الراوي ــ : ان امرأة فقيرة اشتهت قرطا من الذهب , تزين به اذنها , فأخذت تدّخر القرش على القرش والدينار على اخيه , حارمه نفسها وابناءها من كل ملذات الحياة حتى جمعت المبلغ المطلوب , ذهبت الى السوق واشترت القرط وعادت به الى البيت , لا تكاد الدنيا تسعها من شدة الفرح , لم تصبر حتى تدخل , فوقفت على باب الكوخ تنظر الى القرط بسعادة غامرة . كانت في القرط خرزة حمراء , وتعرفون ــ يا دام عزكم ــ ان الطيور الجارحة تهوي اللون الاحمر , شاهد الغراب المنظر فهوي على القرط بسرعة فايقة واختطفه منها وطار , فقالت على الفور: يا فرحة ما تمت خدها الغراب وطار . يقابل هذا المثل مثل شعبي اخر في نفس المعنى أي (خيبة الامل بعد الفرح) يقول المثل : ( اجت الحزينة تفرح ما وجدت لها مطرح) . اما لِم خطر على بالي هذان المثلان , فسأروي لكم هذه الحكاية وامري الي الله:
تعرفون ايها ــ السادة الكرام ــ ان الغالبية العظمى من الاسر في مجتمعاتنا , هي إما تحت أو حول أو فوق خط الفقر بقليل . تفرحُ يوم يكون الشهرُ ثلاثين يوما , وتحتفل في شهر شباط لأنه سيوفر عليها وجبات ثلاثة ايام . اما البقية فهي اسر لا تعرفنا ولا نعرفها , لا يهتمون بشؤوننا ولا نهتم بشؤونهم , ولا يوجعهم وجعنا ولا يوجعنا وجعهم , وان كانت اغلب مقدراتنا بين ايدهم . ولكن نقول : الله غالب على امره , وما طار طير وارتفع الا كما طار وقع . خلاصة الحديث اريد ان احدثكم عن اسرة من اسر الفئة الاولى , تعرفونها جيدا فهي تمثل الاسر جميعها , انها اسرة اخينا (ابي فرج) :
اليوم حفل تخرج فرج من الجامعة , عاد الى البيت يتأبط شهادته ولا تكاد الدنيا تسعه من شدة الفرح . فوجد مظاهر الاحتفال تنبعث من كل ركن من اركان البيت . استقبله الوالدان واحتضناه بدموع الفرح , فهو اول حلْم يتحقق في حياتهم , والامل معقود عليه للنهوض بالأسرة وتلبية البسيط من متطلباتها الحياتية . تحلق حولهم بقية الابناء , ودارت اكواب المرطبات والعصائر ابتهاجا بهذه المناسبة , فالكل ساهم في انجاح هذا المشروع , حتى حصالات الاطفال على قلة ما فيها من قروش فُتحَت , وجمعت مع ما ادخرت العائلة لتسديد الاقساط الجامعية , التي احسب ان الله سيحاسب الحكومات والمسؤولين عن الاعباء التي اثقلوا بها كاهل هذه الاسر , زيادة على ما بها من ضنك عيش وضيق ذات يد , بينما يتنعم اولادهم على شواطئ لندن وباريس وميامي .
انتهت مراسيم الفرح , دخل فرج غرفته يحتضن شهادته , واستلقى على سريره وفتحها واخذ يتمعن في كل حرف من حروفها : ( قرر مجلس امناء الجامعة منحك درجة البكالوريوس في....) وسرح فكره في الايام الخوالي من اليوم الاول لدخوله المدرسة , مرورا بمراحلها المتعددة وقوفا عند بعض المواقف والمشاهد مع الاصحاب ورفقاء الطفولة والشباب فيبتسم , ويمر ببعض المواقف المحرجة فينكمش . ثم مرحلة الجامعة وذكرياته فيها , وابتسم وهو يتذكر احدى زميلاته التي اعجب بها وربما احبها , وربما تواعدا على الزواج ....
لكن الافكار اذا انطلقت لا تقف عند حد , فجأة قفز الى فكره السؤال الكبيييييير الاتي : الان حصحص الحق , وجد الجد , فماذا بعد؟؟؟؟ غدا سيذهب بأوراقه ويقدمها الى الدوائر المعنية , ولكن هل سيتم تعيينه في اليوم التالي , لربما تطلب الامر وقتا طويلا يعد بالأشهر , فماذا سيعمل هل سيتمطط في بيت ابيه وامه يبقى نائما , وهل تقبل الاسرة ان تبقى تنفق عليه من قوت الاولاد الاخرين , فاليوم شيء وغدا شيء اخر . هل سيذهب للعمل في احد المطاعم او المقاهي او المولات , او يجر عربة امام المدارس ليبيع الترمس والفول والذرة , وهل مركزه الان وشهادته يسمحان له بذلك , ثم عندما يتوظف فسينفق جزءا من راتبه مساعدة للعائلة التي تكاتفت حتى وصل الى ما هو عليه الان , ومرت به( صور شندويشات الزيت والزعتر التي عاش عليها اخوته اياما كثيرة , وكانت السندوشات عبارة عن رغيف في وسطه خيط رفيع من خليط الزيت والزعتر لا يكاد يرى , ثم يُلَفُ الرغيف ليأخذ النكهة ) . تنهد ! ومرت بخاطره صورة تلك الفتاة التي اعجب بها اذن هو ايضا بحاجة الى سكن ليتأهل , فبنات اليوم لا يقبلن الا بمنزل مستقل . فكر قليلا : اذا استأجر شقة طار الراتب , واذا اراد ان يبني شقة فوق سطح منزل والدية , سيتكلف مبالغ كبيرة , ثم ياتي دور الاثاث بعد ذلك , ثم المهر وتواعه . وبحسبة بسيطة وجد نفسه انه بحاجة على الاقل الى عشر سنوات ليكون جاهزا للزواج . هل ستنتظره صديقته هذه السنوات الكبيسة العصيبة ؟ ثم كم سيكون عمر كل منهما ؟ انا لا ادري ولكن هذا ما سنساله عنه , وننقله لكم في المقال القادم ان كان في العمر بقية , وان تماسك صاحبنا ولم يراجع عيادات الامراض النفسية . طبتم وطابت اوقاتكم.
http://fnooun.com/?p=7951
قالوا ــ والعهدة على الراوي ــ : ان امرأة فقيرة اشتهت قرطا من الذهب , تزين به اذنها , فأخذت تدّخر القرش على القرش والدينار على اخيه , حارمه نفسها وابناءها من كل ملذات الحياة حتى جمعت المبلغ المطلوب , ذهبت الى السوق واشترت القرط وعادت به الى البيت , لا تكاد الدنيا تسعها من شدة الفرح , لم تصبر حتى تدخل , فوقفت على باب الكوخ تنظر الى القرط بسعادة غامرة . كانت في القرط خرزة حمراء , وتعرفون ــ يا دام عزكم ــ ان الطيور الجارحة تهوي اللون الاحمر , شاهد الغراب المنظر فهوي على القرط بسرعة فايقة واختطفه منها وطار , فقالت على الفور: يا فرحة ما تمت خدها الغراب وطار . يقابل هذا المثل مثل شعبي اخر في نفس المعنى أي (خيبة الامل بعد الفرح) يقول المثل : ( اجت الحزينة تفرح ما وجدت لها مطرح) . اما لِم خطر على بالي هذان المثلان , فسأروي لكم هذه الحكاية وامري الي الله:
تعرفون ايها ــ السادة الكرام ــ ان الغالبية العظمى من الاسر في مجتمعاتنا , هي إما تحت أو حول أو فوق خط الفقر بقليل . تفرحُ يوم يكون الشهرُ ثلاثين يوما , وتحتفل في شهر شباط لأنه سيوفر عليها وجبات ثلاثة ايام . اما البقية فهي اسر لا تعرفنا ولا نعرفها , لا يهتمون بشؤوننا ولا نهتم بشؤونهم , ولا يوجعهم وجعنا ولا يوجعنا وجعهم , وان كانت اغلب مقدراتنا بين ايدهم . ولكن نقول : الله غالب على امره , وما طار طير وارتفع الا كما طار وقع . خلاصة الحديث اريد ان احدثكم عن اسرة من اسر الفئة الاولى , تعرفونها جيدا فهي تمثل الاسر جميعها , انها اسرة اخينا (ابي فرج) :
اليوم حفل تخرج فرج من الجامعة , عاد الى البيت يتأبط شهادته ولا تكاد الدنيا تسعه من شدة الفرح . فوجد مظاهر الاحتفال تنبعث من كل ركن من اركان البيت . استقبله الوالدان واحتضناه بدموع الفرح , فهو اول حلْم يتحقق في حياتهم , والامل معقود عليه للنهوض بالأسرة وتلبية البسيط من متطلباتها الحياتية . تحلق حولهم بقية الابناء , ودارت اكواب المرطبات والعصائر ابتهاجا بهذه المناسبة , فالكل ساهم في انجاح هذا المشروع , حتى حصالات الاطفال على قلة ما فيها من قروش فُتحَت , وجمعت مع ما ادخرت العائلة لتسديد الاقساط الجامعية , التي احسب ان الله سيحاسب الحكومات والمسؤولين عن الاعباء التي اثقلوا بها كاهل هذه الاسر , زيادة على ما بها من ضنك عيش وضيق ذات يد , بينما يتنعم اولادهم على شواطئ لندن وباريس وميامي .
انتهت مراسيم الفرح , دخل فرج غرفته يحتضن شهادته , واستلقى على سريره وفتحها واخذ يتمعن في كل حرف من حروفها : ( قرر مجلس امناء الجامعة منحك درجة البكالوريوس في....) وسرح فكره في الايام الخوالي من اليوم الاول لدخوله المدرسة , مرورا بمراحلها المتعددة وقوفا عند بعض المواقف والمشاهد مع الاصحاب ورفقاء الطفولة والشباب فيبتسم , ويمر ببعض المواقف المحرجة فينكمش . ثم مرحلة الجامعة وذكرياته فيها , وابتسم وهو يتذكر احدى زميلاته التي اعجب بها وربما احبها , وربما تواعدا على الزواج ....
لكن الافكار اذا انطلقت لا تقف عند حد , فجأة قفز الى فكره السؤال الكبيييييير الاتي : الان حصحص الحق , وجد الجد , فماذا بعد؟؟؟؟ غدا سيذهب بأوراقه ويقدمها الى الدوائر المعنية , ولكن هل سيتم تعيينه في اليوم التالي , لربما تطلب الامر وقتا طويلا يعد بالأشهر , فماذا سيعمل هل سيتمطط في بيت ابيه وامه يبقى نائما , وهل تقبل الاسرة ان تبقى تنفق عليه من قوت الاولاد الاخرين , فاليوم شيء وغدا شيء اخر . هل سيذهب للعمل في احد المطاعم او المقاهي او المولات , او يجر عربة امام المدارس ليبيع الترمس والفول والذرة , وهل مركزه الان وشهادته يسمحان له بذلك , ثم عندما يتوظف فسينفق جزءا من راتبه مساعدة للعائلة التي تكاتفت حتى وصل الى ما هو عليه الان , ومرت به( صور شندويشات الزيت والزعتر التي عاش عليها اخوته اياما كثيرة , وكانت السندوشات عبارة عن رغيف في وسطه خيط رفيع من خليط الزيت والزعتر لا يكاد يرى , ثم يُلَفُ الرغيف ليأخذ النكهة ) . تنهد ! ومرت بخاطره صورة تلك الفتاة التي اعجب بها اذن هو ايضا بحاجة الى سكن ليتأهل , فبنات اليوم لا يقبلن الا بمنزل مستقل . فكر قليلا : اذا استأجر شقة طار الراتب , واذا اراد ان يبني شقة فوق سطح منزل والدية , سيتكلف مبالغ كبيرة , ثم ياتي دور الاثاث بعد ذلك , ثم المهر وتواعه . وبحسبة بسيطة وجد نفسه انه بحاجة على الاقل الى عشر سنوات ليكون جاهزا للزواج . هل ستنتظره صديقته هذه السنوات الكبيسة العصيبة ؟ ثم كم سيكون عمر كل منهما ؟ انا لا ادري ولكن هذا ما سنساله عنه , وننقله لكم في المقال القادم ان كان في العمر بقية , وان تماسك صاحبنا ولم يراجع عيادات الامراض النفسية . طبتم وطابت اوقاتكم.
http://fnooun.com/?p=7951
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.