السلفة
نايف ثامر الكعبي
قبل أن تجنح الشمس نحو المغيب نزل من سيارة الثورة قبل الأخير بقليل.رفع رأسه ومد بصره فلاحت له منارة جامع أبي الفضل العالية وما عليه الا أن يمشي خطوات قليلة ليصل الى الباب الخلفي للجامع ويسلم السلفة الى المرأة الكفيفة كما درج أن يقوم بذلك منذ عدة أشهر.وقف وعد المبلغ،ليـتأكد منه فوجده (100) الف دينار بالتمام.أطمأن.ماذا لو سرق؟ أو سقط منه المبلغ سيعاتبه صديقه يوما..مئة ألف دينار ولم تستطع -عريف عماد- أن تحافظ عليها من اللصوص؟
تذكر صديقه ر.ع .س موجد حسين المختطف فلذع الحزن قلبه ودعا له وتمنى أن تتمكن الأجهزة الأمنية من العثور عليه حيا والقبض على العصابة التي اختطفته حيث كان خارج وحدته بأجازته يريد الكراج وها قد مضى شهر على اختطافه وحان موعد تسديد السلفة.مما حمله على أن يجمع المبلغ منه ومن جنود السرية. مر خاطر على ذهنه أزعجه: يخشى أن تبقى مدة طويلة على نهايتها وقد يرفض الجنود التعاون معه في جمعها ودفعها الى المرأة
مشى خطوات قليلة ففاجأه سؤال مهم: كيف تم التفاهم بشأن السلفة بين المرأة الكفيفة وهي تسكن الثورة ور.ع.السرية موجد حسين وبيته في علي الغربي ووحدته في أطراف الموصل؟. كيف فاته؟ ولم يسأل موجد عندما كان يكلفه عند بداية كل شهر:
- عريف عماد هذه مئة ألف دينار مبلغ السلفة تسلمها الى المرأة الكفيفة في جامع أبي الفضل في أخير الثورة
تأمل لحظات ومرت على ذهنه فكرة: عليه أن يسأل المرأة الكفيفة عن عدد الأشهر الباقية لنهاية السلفة
بلغ الجامع.استدار الى الباب الخلفي.دق الباب بحياء.جاءه نفس الصوت.. خائفا.حييا وفيه رائحة الحزن والذي أعتاد أن يسمعه كل بداية شهر.تحاملت على نفسها وهتفت
- من؟
- أنا..خالة..سلفة
هشت له. أنبسط وجهها الموشوم باللوعة.تحاملت على نفسها واستندت الى الحيطان ومشت خطوات قليلة الى الباب.تسلمت المبلغ وهي تتمتم بعبارات الشكر.قبل أن تعود أدراجها.تذكر سؤاله وآلمه أنه سيضطر الى أخبارها:
- يا خالة صديقي المسهم بالسلفة معك قد خطفه الإرهابيون..
فغرت فمها ودقت صدرها وهزت رأسها بألم.حب أن يوضح لها:
- لقد عاونني بعض الجنود لدفع سلفة هذا الشهر
فهمت مراده قالت له:- لي الذي عينه لا تنام يا ولدي
أطرقت لحظات.ثم استطردت وكأنها تكلم نفسها:
- أرجو الا يكون مصيره شبيها بمصير أبي بناتي
أدرك أن الإرهاب قد نكبها بزوجها،فتألم لها.فطن الى السلفة .فسألها :
- أرجوك كم شهرا بقي للسلفة؟
- أدخل .دقائق.مضى عليك سبعة أشهر و تسلمني السلفة وأنت واقف في الباب
كان يظن أن لديها دفترا للسلفة ليعرف الأشهر الباقية. مشى خلفها نحو الغرفة مطأطئ الرأس.جلس على بساط بال.رفع رأسه بحياء ودارت عيناه في الغرفة العارية .أطرق بحياء أذ رأى ثلاث فتيات شابات تقرفصن في زاوية من الغرفة ويبدو الفقر والفاقة عليهن
- اخواتك..مكفوفات!!
قالت له بصوت خفيض.محاذرة أن تجرح مشاعرهن .رثى وتألم لهن أذ وجد الفقر والعوز يجثمان على صدر هذه النسوة البائسات ناهيك بعاهة العمى مما زاد المشهد ظلاما وحلكة
- يا ولدي أن صاحبك لم يشارك في سلفة ،لكنه يحسن الينا،ولإنسانيته ولكي يحافظ على مشاعرنا زعم : أنها سلفة
بهت واعترته الدهشة..آآآه لكم كنت عظيما يا موجد !!
- كيف عرفك؟ ..أنه لم يحدثني عن زيارة له الى المدينة
- صدقت ..ولدي
صمتت لحظات وكأنها تجوب في ذاكرتها الكليمة لتجمع خيوط مأساتها وتعرضها أمامه...انا بائسة وعاثرة الحظ. فقدت بصري وأنا صغيرة وعندما صرت شابة تزوجني أبو البنات وعوضني عن عاهة العمى بأن أغدق علي عطفه ومحبته ،لكن الدهر قد نكبني وولدت البنات مثلما ترى .أمسكت عن الحديث أذ اختنقت بدموعها المنحدرة على خدها.نزعت نظارتها من عينيها المطفأتين ومسحت دموعها...
- عسكري؟
- من ؟
- المرحوم
تنهدت بحسرة وقالت:- كان المرحوم عاملا في شركة الألبان في أي غريب منذ ثلاثين سنة ومنحته الشركة شقة للسكن في أحدى عماراتها وكنت سعيدة مغتبطة ولم تعيقني عاهتي عن خدمته وكان يحبني ويعطف علي،لكن أيام السعادة لا تدوم.في سنة 2007 قدم أناس الى القرية المتآلفة أهلها وقاموا بتهديد سكان العمارات بالتهجير، منهم من خافهم وترك لقمة عيشه وهاجر،ومنهم من رفض تهديدهم وبقي في القرية وكان ممن ثبت المرحوم زوجي.وكان يواصل نشاطه في دكانه، لأن شركة الألبان بعد 2003 قد توقفت عن الأنتاج مما حمل زوجي على أيجار دكان لبيع المواد المنزلية في القرية .بعد أيام من تهديدهم وذات ليلة سوداء كان في دكانه فباغتتني أطلاقات نار قريبة أقشعر لها بدني ويد قاسية عصرت قلبي.سمعت لغطا أسرعت أتحسس طريقي مرة أمشي وطورا أتعثر وأسقط وأنا أستغيث بالناس الشرفاء ،حتى وقفت عليه مضرجا بدمائه.لقد نفذ المجرمون تهديدهم، بعد استشهاد المرحوم . عشت أياما مليئة بالرعب.خفت على بناتي الكفيفات منهم .فكرت بالنزوح من القرية .رانت علي الحيرة .أين أعطي وجهي؟ ونحن حريم كفيفات ولا نملك من حطام الدنيا شيء.قلت في نفسي: لأعطي وجهي ألى مدينة الثورة.ما زالت المروءة في أهلها. فتركت شقتي بما فيها وهربت وكأن شياطين تطاردنا .وجدت نفسي أجلس في باب هذا الجامع خرج المصلون بعد صلاة الظهر وشيعهم السيد الى باب الجامع .رآنا جالسات في باب الجامع باستكانة وذلة.دهش لم نكن نتسول.سألني عن حاجتي.فذكرت له مصيبتي عطف الرجل علينا وطيب خاطرنا وهيأ لنا غرفة نسكن فيها وناشد أهل المروءة من المصلين على مساعدتنا وعلى فقرهم كانوا يؤثروننا بلقمة أسرهم .ومن بين المصلين الذين أبكتهم مصيبتنا رجل أعلامي صورنا الى أحدى الفضائيات وذكر مصيبتنا وناشد المواطنين على مساعدتنا...
- فهمت ..أمي
لقد أدمت قلبه مصيبتها.فكر الا يخرج منها دون أن يدخل الفرح الى قلبها وقبل أن يخرج من الغرفة قال لها:
- ستبقى سلفتك يا أمي ومنذ الآن أنا مسؤول عنها!!
10/4/2013نشرت هذه القصة في جريدة التآخي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.